سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
154
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
والمناضل ، فمد بها في العلوم باعه الأطول ، وأمد الفهوم بمصداق كم ترك الأول ، قاصدا بذلك رياضة العقول ، في رياض المقول ، وتبريض اللسان ، بوقائع شآبيب البيان ، وتعريض الاحسان ، للقانع بالأثر عن العيان ، فأيد فيها الفقر على الغنى وشيد له في الفخر على البنا ، وجعله سابق الحلبة مجليا ، واتلاه بالغنى بعد لأي مصليا ، حتى أقر بالتقديم تسليما واخلص لوداده بعد التندم على عناده قلبا سليما وان كان الفقر عند أبناء الدنا ، مليا بالحساب العنا ، خليا عن أسباب الغنى ، حفيا في اقتضاب المنى ، كفيا في سد أبواب الهنا ، وبينه وبين النفوس ، ما بين تغلب وبكر غب غزاة البسوس ، وقد أوقع فيها من المكروه والمساءه ، ما لم يوقعه قيس ببني بدر يوم جفر الهباء ، وحطمها ولا تحطم الإبل المخبله ، جيوش لقيط يوم جبله ، ووسمها بالعار الباقي على الزمان ، كما وسم به الوليد الربيع في مجلس النعمان ونفورها عنه ولا نفور الغادة الفتية من مقاربة الشبب ، والشنشنة الاخزمية من مقارنة العيب ، وبعدها عنه بعد العزئم اليقينية عن شبهات الريب ، والكتائف الجسمانية ، عن ادراك محجبات الغيب ، هذا وعقال العقول ، في تقييد صعاب النفوس محلول ، وحسام الفكر المصقول ، عن قطع اعصاب الأهواء مغلول والناس أكيس من أن يمدحوا انسان ، ما لم يرو عنده اثر احسان ، فلا جرم كاد ان ينعقد الاجماع ، كما لا يخفى على ذي نظر وسماع ، على بغض الفقر وذمه ، وقصده بالصد وأمه ، وتوتر الدعاء بالهبل والثكل على أمه : ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفره ومن لا يتقى الشتم يشتم فكان ما اختاره رحمه اللّه من هذا الصنيع ، معدودا في فن المغايرة من البديع ، وفيه تسلية لنفس البائس الفقير ، وتقوية لقلب الآيس الحقير ، وإعانة للمبتلي بهذا الداء العضال ، وإبانة للغرض الداعي لنشط العقال ، لكن حقيقة الحال ان هذا الفاضل ، لما كان من كبار الأتقياء الزاهدين ، وخيار الصلحاء العابدين ، ومعلوم ان أكثرهم قد اختار التقشف الموصوف ، وشيد بناء الزهد المرصوف